20 يناير 2026 16:29
الرئيسيةأخبارازدواجية الاتحاد الإفريقي تهدد سيادة الدول وتفاقم النزاعات الإقليمية المفتعلة

ازدواجية الاتحاد الإفريقي تهدد سيادة الدول وتفاقم النزاعات الإقليمية المفتعلة

أعاد رفض الاتحاد الإفريقي اعتراف إسرائيل بما يسمى “أرض الصومال” التأكيد على تشبث المنظمة القارية بمبدأ وحدة وسيادة الدول الأعضاء، واستنادها إلى قاعدة احترام الحدود الموروثة عن الاستعمار التي اعتمدتها منظمة الوحدة الإفريقية منذ ستينات القرن الماضي.

في هذا الصدد، أكد رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي أن أي اعتراف بكيانات انفصالية داخل بلد عضو يشكل تهديدا مباشرا لاستقرار القارة ويفتح الباب أمام سوابق خطيرة قد تُستغل في مناطق أخرى من إفريقيا.

غير أن هذا الموقف الصارم يضع الاتحاد الإفريقي أمام حرج سياسي تاريخي، بالنظر إلى قبول “عضوية البوليساريو” منذ ثمانينات القرن الماضي، رغم غياب أي اعتراف أممي بها، في ظل نقاش النزاع بشأن الصحراء المغربية بشكل حصري في إطار جهود الأمم المتحدة، وهو ما جعل المنظمة القارية تُتهم منذ سنوات بازدواجية المعايير، حين تُدافع عن وحدة بعض الدول بينما تدعم حضور كيان انفصالي على حساب دولة عضو ذات سيادة ومؤسسة للاتحاد.

وتتعزز هذه الانتقادات مع تزايد الرفض الدولي لمشاركة البوليساريو في الفعاليات الإفريقية المشتركة، خصوصا من جانب شركاء استراتيجيين كالصين وروسيا واليابان، اللذين يشترطون التعامل فقط مع الحكومات المعترف بها أمميا.

ومع ظهور حركات انفصالية جديدة في القارة، يجد الاتحاد الإفريقي نفسه أمام اختبار صعب: إما تصحيح إرث قرارات متعارضة، أو الاستمرار في سياسة تُضعف مبادئه المؤسسة وتحدّ من قدرته على لعب دور توافقي في الأزمات الإفريقية.

ازدواجية المعايير

ارتباطا بهذا الموضوع، يرى عبد الوهاب الكاين، رئيس منظمة “أفريكاووتش”، أن النزاعات المتعلقة بالانفصال تثير دوما جدلا دبلوماسيا واسعا داخل المنتديات الدولية، وفي مقدمتها الأمم المتحدة، حيث يختلط مبدأ سلامة ووحدة الأراضي الوطنية بحق الشعوب في تقرير المصير وإنهاء الاستعمار، ما يؤدي إلى بروز ازدواجية واضحة في مواقف بعض الدول والمنظمات الإقليمية كالاتحاد الإفريقي، التي كثيرا ما تعتمد مقاربات مضطربة تستند إلى المصالح الجيو-سياسية بدل الركائز القانونية الراسخة.

وأضاف الكاين،  أن تجديد الاتحاد الإفريقي التشبث بوحدة أراضي الدول الأعضاء ورفضه اعتراف إسرائيل بما يسمى “أرض الصومال”، لا ينسجم مع سابقة قبول تنظيم البوليساريو في هياكل الاتحاد خلال ثمانينات القرن الماضي، وهو خطوة تعكس كيل المنظمة بمكيالين بخصوص المبادئ التي تستند إليها.

وأوضح نائب منسقة تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية أن نزاع الصحراء المغربية لا يدخل ضمن قضايا تصفية الاستعمار، لاعتبار توافر عنصر السيادة المغربية تاريخيا، ولأن الدفاع عن الحدود والوحدة الوطنية حق مشروع مكفول بموجب القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.

وأكد المتتبع لخبايا النزاع أنه لا وجود لأي أساس قانوني يمنح البوليساريو حقا حصريا في تمثيل الصحراويين أو تحديد مصيرهم، في ظل غياب رغبة السكان في الانفصال عن دولتهم الأم، وتفضيلهم حلولا ديمقراطية داخلية تضمن تمثيلا كاملا وتدبيرا ذاتيا منسجما مع قواعد القانون الدولي الذي لا يعترف بحق عام في الانفصال.

وأورد المصرّح أن الاتحاد الإفريقي لم يتعامل مع النزاع كاختبار متعلق بسلامة الأراضي المغربية، بل انجرف خلف دعم مشروع الانفصال المدعوم من الجزائر، رغم ما يجرّه ذلك من تهديدات للفوضى وعدم الاستقرار في المنطقة، منبها إلى أن هذا التناقض يعكس تعاملا انتقائيا مع مبادئ القانون الدولي، تبعا لمصالح بعض القوى الإقليمية الساعية إلى تقسيم الدول المنافسة لها.

، عرّج الفاعل الحقوقي ذاته على كون رفض الاتحاد الإفريقي المساس بوحدة الصومال لا يختلف في جوهره عن تطلع المغرب إلى إنهاء نزاع عمره خمسة عقود وضمان وحدته الترابية.

وشرح قائلا: “إن ازدواجية الجزائر في الدفاع عن سلامة أراضيها داخليا، مقابل سعيها لاقتطاع جزء من أراضي المغرب تحت مظلة تقرير المصير، تكشف الدوافع السياسية البحتة وراء مواقفها داخل الاتحاد الإفريقي”.

وأنهى عبد الوهاب الكاين  بالتأكيد على أن احترام الحدود الموروثة عن الاستقلال، وهو المبدأ الذي أقرته منظمة الوحدة الإفريقية سنة 1964 وصار قاعدة معيارية في القارة، كان يفترض أن يطبَّق أيضا على النزاع في الصحراء المغربية، بحكم وضوح روابط الانتماء التاريخية والشرعية بين القبائل الصحراوية والدولة المغربية، غير أن الاتحاد الإفريقي، يضيف الكاين، استسلم لضغوط الجزائر بدل الالتزام الصارم بمبادئه المؤسسة، ما جعله طرفا في تعطيل استقرار المنطقة وجرّها بعيدا عن روح القانون الدولي وغايات التكامل الإفريقي.

تفاقم النزاعات

من جانبه، قال محمد فاضل بقادة، رئيس مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية لحركة “صحراويون من أجل السلام”، إن القارة الإفريقية تعيش اليوم توترات أمنية وسياسية متصاعدة، تغذيها مصالح جيو-سياسية مرتبطة بالأمن القومي لقوى إقليمية ودولية، خصوصا في الساحل والقرن الإفريقي.

وشدد على أن المسؤولية القانونية للاتحاد الإفريقي تقتضي القيام بدوره في فض النزاعات الإقليمية عبر الآليات التي يتيحها ميثاقه وأجهزته، بما يدعم السلام ويمنع التدخلات الخارجية ويدين الانقلابات ويعزز الحلول السلمية وتطبيق السياسات الأمنية في القارة.

وأورد بقادة أن تعددية بؤر التوتر في إفريقيا تطرح تساؤلات جوهرية حول فعالية مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي ومدى قدرته على مجابهة التحديات الكبرى، مستشهدا بالأوضاع في مالي والحرب الدائرة في السودان وقرار إسرائيل الاعتراف بأرض الصومال كدولة مستقلة، وهو ما قابلته المنظمة القارية برفض قاطع بدعوى حماية وحدة أراضي الدول الأعضاء.

وفي هذا الصدد، أشار رئيس مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية إلى أن هذا الرفض يثير سؤالا مشروعا حول متى وأين يعتبر الاتحاد الإفريقي أن سيادة الدول الأعضاء خط أحمر لا يقبل المساس، خصوصاً في منطقة القرن الإفريقي ذات الحساسية الأمنية والاقتصادية، والتي تمثل عمقا استراتيجيا لدول البحر الأحمر والشرق الأوسط في ظل صراع محموم على النفوذ الدولي.

واسترسل المتحدث عينه بأن المتابع للشأن الإفريقي منذ ثمانينات القرن الماضي يصعب عليه اليوم ضبط مواقف الاتحاد الإفريقي تجاه صون سيادة الدول؛ إذ تتأرجح بين الاعتراف بكيانات غير موجودة على الأرض باقتطاع جزء من دولة عضو، وبين الدفاع عن وحدة دولة أخرى باسم الميثاق ذاته.

وسجل المهتم بالنزاع أن هذه التناقضات تثير إشكالات حول المرجعية السياسية والقانونية لآليات تسيير المنظمة الإفريقية، التي تحتاج برأيه إلى “مراجعة جذرية لاستعادة فعاليتها في مواجهة النزاعات والتهديدات المتنامية”.

وخلص محمد فاضل بقادة إلى أن استمرار بعض مجموعات الضغط داخل الاتحاد في الدفع نحو التعامل مع جبهة البوليساريو كـ”دولة عضو”، رغم التعارض الصريح مع مبدأ عدم المساس بسيادة الدول الأعضاء، يكلف القارة خسائر تنموية وفرص تقدم كان من الأجدر توجيهها نحو بناء مستقبل مشترك قائم على تجاوز أخطاء الماضي وخدمة مصالح الشعوب الإفريقية.