تزايد التسول في رمضان بالمغرب يثير جدلًا بين روح التضامن ومظاهر الإحراج

يشهد شهر رمضان بالمغرب ارتفاعا في مظاهر التسول، حيث تتكاثر أعداد المتسولين في الفضاءات العمومية، خاصة بمحيط المساجد والأسواق الشعبية ومحلات تجارة القرب، ما يجعل عددا من المواطنين يشتكون من حالات إحراج ومضايقة.
ويركّز المتسولون أكثر على هذه الفضاءات التي تشهد الرواج، سعيا إلى الاستفادة من ارتفاع منسوب الإحسان والعطاء الذي يتقوّى بروحانية هذا الشهر الفريد، إذ تتضاعف مشاعر التعاطف لدى فئات من المجتمع، ما يجدد النقاش حول سبل التوفيق بين قيم التضامن والحد من الممارسات السلبية المرتبطة بظاهرة التسول.
وخلال الأشهر الثمانية الأولى من السنة الماضية عالجت المصالح الأمنية بالمملكة ما مجموعه 34.312 قضية متعلقة بالتسّول، تم بموجبها توقيف ما مجموعه 39.143 شخصا، من بينهم 1092 قاصرا و10.810 نساء، إضافة إلى 1816 شخصا يحملون جنسيات أجنبية مختلفة.
واعتبر محمد حبيب، أخصائي نفسي واجتماعي، أن “تفاقم ظاهرة التسول خلال شهر رمضان ليس مجرد سلوك عابر، بل هو نتاج تداخل معقد لعوامل اقتصادية ورمزية ونفسية، إذ يلعب البعد الديني دورا محوريا في هذه الفترة، على اعتبار أنه يرفع من الاستعداد النفسي للمواطنين للعطاء”.
وأوضح حبيب، في تصريح لهسبريس، أن “هذا التحفيز الرمزي والزمني يخلق ما يمكن وصفها بـ’الفرصة الموسمية للتسول’، بعدما يتحول السلوك الإحساني المرتفع إلى محرك أساسي لزيادة أعداد المتسولين في الشوارع، الذين يحاولون تقديم أنفسهم كمستفيدين”.
وعلى المستوى النفسي سلط المتحدث الضوء على “محاولة إضفاء الشرعية الأخلاقية على التسول خلال شهر رمضان، إذ يصبح تقديم المال أحيانًا وسيلة للمتصدق لتخفيف شعور داخلي بالذنب”، محذرًا بالمناسبة من “إخراج هذه الممارسات، بفعل شبكات منظمة، من دائرة الفقر المادي العفوي إلى الاحتراف الممنهج”.
أبعد من ذلك يرى الأخصائي النفسي والاجتماعي ما يفيد بأن “التسول بات بالنسبة للبعض خيارًا عقلانيًا لكونه يدر دخلًا يفوق ما توفره قطاعات العمل المهيكلة وغير المهيكلة، إذ يمتلك بعض المتسولين مصادر دخل معينة”، كاشفًا الحاجة إلى “التمييز الدقيق بين ضحايا الفقر البنيوي الحقيقيين وبين محترفي التسول الذين يستغلون الشفقة الاجتماعية”.
ولفت حبيب إلى أن “المقاربة الأمنية أثبتت محدوديتها للتصدي لهذه الظاهرة في عدد من السياقات الدولية، بيد أن الحلول المقترحة يمكن أن تشمل الحماية الاجتماعية للفئات التي يمكن أن تتعاطى التسول بشكل دائم بعلة الفاقة، فضلًا عن التركيز على التوعية السلوكية لإعادة تشكيل تمثلات المجتمع حول الفرق بين الإحسان المنظم وتشجيع الاتكالية”.
وفي سياق ذي صلة أوضح نوفل هلال، جمعوي وفاعل مدني بالرباط، أن “التسول في شهر رمضان، على سبيل المثال، يتحول ليغدو ظاهرة تشكل مضايقات أكيدة للمواطنين على مستوى الأسواق وأمام المساجد والمخابز، إذ يحاول ممتهنوها اللعب أكثر على وتر العاطفة”.
أوضح نوفل، في تصريح للجريدة، أن “الإشكال الأكبر الذي يلف هذا الموضوع هو أن التسول يُمارَس من قبل أفراد غير محتاجين، بل فقط تطبيقا لغرائز نفسية بعينها، منها الهوس بالتسول ومحاولة التطبيع مع الاتكالية”، متابعا: “لا مانع في طلب الإحسان من قبل المستضعفين والمحرومين، لكن ذلك لا يجب أن يتحول إلى إحراج مباشر للمواطنين في الفضاءات العمومية”.
كما شدد المتحدث على “أهمية العمليات الدورية من قبل السلطات المحلية والفرق الأمنية من أجل الوقوف على الوضعية بعدد من المناطق التي تشهد ارتفاعًا في نشاط المتسولين، عبر تشخيص وضعياتهم والتأكد من هوياتهم كذلك”.

تعليقات 0