استهداف الهجرة بالخطاب العنصري يسائل المجتمع المدني والإعلام العمومي

يتواصل النقاش بين المغاربة في الفضاء العمومي حول التداعيات التي خلّفها نهائي كأس إفريقيا للأمم “كان المغرب 2025″، وتعالي الأصوات المشبعة بقيم العنصرية ضد المهاجرين من دول جنوب الصحراء الموجودين على التراب الوطني، خاصة من حاملي جنسية السنغال؛ وذلك في إطار ردود الفعل الانفعالية المتحللة من القيم والمبادئ الأصيلة والتاريخية للمجتمع والدولة تجاه الأجانب.
أمام هذه الجوقة التي استثمرت فيها أطراف معادية للمغرب وغذتها في وسائل التواصل الاجتماعي، التي مثلت ساحة لحرب من نوع آخر، تم التكالب فيها على المغرب من الخارج والداخل، مستثمرة جهل وانسياق الكثير وراء العاطفة وحب الانتقام من السيناريو غير المتوقع للنهائي، والتشويش الذي تعرض له عن سبق إصرار وترصد.
أيا كانت الدوافع والمبررات، يبقى خطاب العنصرية والتحريض ضد مهاجري جنوب الصحراء الموجودين بالمغرب ومدنه المختلفة منذ سنوات مجرد نزوة عابرة يجمع غالبية المغاربة على رفضه وإنكاره، حيث تسائل هذه الأحداث والوقائع أدوار المجتمع المدني والنخب السياسية والثقافية والإعلام العمومي في ضبطه وتوجيهه بما يتوافق مع قيم البلد وتوجهاته الاستراتيجية تجاه بلدان وشعوب القارة التي ينتمي إليها.
في قراءته للموضوع، شدد أحمد شراك، السوسيولوجي والأستاذ بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، على أن خطاب العنصرية، مهما كان مصدره أو مبرراته، يظل “مرفوضا أخلاقيا وإنسانيا ولا يمكن القبول به أو تسويغه تحت أي ذريعة”.
واعتبر شراك، ، أن ما طفا إلى السطح من تعبيرات عنصرية داخل بعض الأوساط المغربية في وسائل التواصل الاجتماعي جاء، في كثير من الأحيان، كـ”رد فعل انفعالي على ممارسات استفزازية وعنصرية سابقة”. واستدرك قائلا: “لكن هذا المنطق يبقى مرفوضا؛ لأن الرد على العنصرية لا يمكن أن يكون بعنصرية مضادة”.
وتابع الأستاذ الجامعي المتخصص في السوسيولوجيا موضحا أن بعض السلوكات التي شهدتها ملاعب رياضية، سواء من لدن جماهير أجنبية أو في سياقات أخرى، بلغت حد العنف الرمزي والممارسات المشينة التي “تحط من قيمة بلدنا وتمس بالرموز الوطنية؛ وهو ما لا يقبله العقل المتحضر، ولا ينسجم مع قيم المجتمعات الحديثة”.
وأكد المتحدث عينه أن المغاربة يطمحون إلى مجتمع الحداثة والتقدم والانخراط في الحضارة المعاصرة، و”لا يمكن أن ينجروا وراء خطاب الكراهية”.
وأبرز شراك أن المسار التنموي الذي قطعه المغرب، سواء على مستوى البنية التحتية أو التحديث العمراني أو تنظيم التظاهرات الكبرى، جعل بعض “الخطابات المتشنجة تجد نفسها متجاوزة تاريخيا وحضاريا”.
كما اعتبر السوسيولوجي ذاته أن انتعاش بعض مظاهر الخطاب العنصري داخل المجتمع المغربي يطرح “تساؤلات حقيقية حول أدوار مؤسسات المجتمع المدني، والأحزاب السياسية، والإعلام العمومي، خاصة في بلد اختار استراتيجيا تعميق علاقاته الإفريقية وتعزيز موقعه داخل القارة”.
وفي هذا الصدد، تساءل المتحدث عن مدى قيام هذه المؤسسات بدورها في التأطير والتوجيه واحتواء الانفعالات الجماعية، بدل تركها تنزلق نحو التعميم والتحريض.
ونبّه العالم السوسيولوجي إلى أن محاربة العنصرية مسؤولية جماعية ولا يمكن التساهل فيها، داعيا النخب المثقفة وفعاليات المجتمع المدني إلى “عدم السقوط في ردود فعل انفعالية لا قيمة لها أمام منطق التاريخ ومنطق الحداثة”.
وبعد أن وصف شراك التجاوزات المسجلة بـ”الحالات المعزولة التي ما كان ينبغي لها أن تقع ولا أن تُسوق أو تُعمم”، خلص إلى ضرورة انتقاد الخطاب العنصري ورفضه.
من جهتها، قالت رجاء مرصو، الطبيبة والناشطة بجمعية الأيادي البيضاء بتطوان، إن العمل الإنساني يظل قائما على مبدأ أساسي يتمثل في مساعدة الإنسان دون أي تمييز على أساس الدين أو الجنسية أو اللون، معتبرة أن هذا الالتزام “واجب مهني وأخلاقي قبل أن يكون اختيارا شخصيا”.
وعبّرت مرصو، ، عن قلقها من تصاعد خطاب الكراهية والعنصرية على مواقع التواصل الاجتماعي، مشيرة إلى انتشار دعوات إقصائية من قبيل: “جريو عليهم”، و”ما تخليوهمش هنا”، واصفة هذا الخطاب بـ”الخطير وغير المنسجم مع قيم المجتمع المغربي”.
ولفتت الناشطة بجمعية الأيادي البيضاء بتطوان إلى أن هذا النوع من الخطاب العنصري “لا يعكس أخلاق المغاربة، وقد يضاعف من معاناة فئات تعيش أصلا أوضاعا إنسانية هشة”.
وأكدت الطبيبة ذاتها أن المهاجرين المقيمين بالمغرب يعيشون “ظروفا صعبة، وأن وجودهم في البلاد في الغالب ليس خيارا نهائيا؛ بل مرحلة عبور فرضتها عليهم الأوضاع في بلدانهم الأصلية”.
وأفادت مرصو بأن تأجيج الكراهية ضد المهاجرين من جنوب الصحراء لا يؤدي سوى إلى “تعقيد الأزمة وخلق توترات مجتمعية إضافية”، مشددة على أن المجتمع المدني مطالب اليوم بلعب “دور محوري في احتواء هذه الأزمة؛ عبر نشر ثقافة التسامح والتوعية وعدم الخلط بين أحداث ظرفية والعلاقات الإنسانية المتجذرة التي تجمع المغاربة بالمهاجرين”، وفق تعبيرها.

تعليقات 0