11 أبريل 2026 13:31
الرئيسيةأخبار“رفض المغاربة للزواج والإنجاب” .. قناعات شخصية أم ضغوط اقتصادية؟

“رفض المغاربة للزواج والإنجاب” .. قناعات شخصية أم ضغوط اقتصادية؟

أثارت الأرقام الأخيرة التي كشفت عنها المندوبية السامية للتخطيط من خلال “البحث الوطني حول العائلة”، في نسخته الثانية بعد دراسة سنة 1995، اهتمامًا في أوساط المراقبين والخبراء الاجتماعيين، لما كشفته من ارتفاع مهم في أعداد المغاربة الرافضين للزواج والأسر النووية (زوجان وطفل وحيد)، وتراجع نسبة الرغبة في الإنجاب.

وتمثلت نسب هذه التحولات البنيوية العميقة في: 51.7% من العزاب المغاربة الذين لا يرغبون في الزواج، وارتفاع الوزن الديموغرافي للأسر وحيدة الطفل من 60,8 % سنة 1995 إلى 73٪؜ ونفس الأمر بالنسبة للأزواج بدون أطفال الذين ارتفعت نسبتهم من 3.4% إلى 9.4%.

قناعة فكرية أم اختيار تحت الضغط؟

في هذا السياق قالت خلود السباعي، أستاذة باحثة في علم النفس الاجتماعي، إن “الأرقام الأخيرة تكشف عن تحولات مخيفة، نظرًا للسرعة المزعجة والمثيرة للقلق التي أصبحت تتم بها، فبينما سبقنا الغرب إلى هذه الظواهر تدريجيًا قفز المجتمع المغربي إليها بشكل مفاجئ، يكشف هوة بين جيلين اثنين”، مضيفة: “على المستوى السيكولوجي تتغير تمثلات الإنسان وسيرورته الذهنية ببطء كبير، ما يدفعنا إلى طرح السؤال الرئيسي: إلى أي حد يستطيع المغاربة التكيف النفسي مع تغيرات ظروف العيش؟”.

وتابعت السباعي: “التغير الحقيقي اقتصادي بالأساس، ولا يمكن القول إن العقليات تغيرت فعلاً، بمعنى بناء قناعات واختيارات مستقلة نتيجة أفكار، بل هو اختيار سائد، وإن سُمي عدم رغبة في الزواج والإنجاب فهو عدم رغبة في تحمل التبعات الاقتصادية والأعباء المالية”.

وأكدت المتحدثة ذاتها أن “مكونات المجتمع المغربي مازالت في قرارة نفسها تأمل تكوين أسر والارتباط بشريك تحت سقف واحد، إلا أن الظروف الاقتصادية التي لا تسمح، وتضطرب يومًا بعد يوم، جعلت الكثيرين يصرحون بعدم الرغبة في الزواج، ما يكشف أنهم مجبرون ليس إلا”.

وتساءلت الباحثة في علم النفس الاجتماعي حول “مدى توفر البنى النفسية القادرة على التكيف مع هذا التحول العميق والسريع”، مردفة: “لا بد أن نضع أمام ‘تغير العقليات’ علامة استفهام، ولا سيما كمجتمع مازال ينظر للمرأة غير المتزوجة نظرة سلبية”.

وأوضحت المتحدثة نفسها أن “ما يقلق في التحولات التي كشفت عنها المندوبية السامية للتخطيط هو التغير الكبير والمثير في أنماط سلوك المغاربة، ليس عن قناعات حقيقية، بل تحت ضغط إكراهات سوسيو-اقتصادية، وارتفاع نسبة الطلاق خير دليل على ذلك، لما تظهره من رغبة مقرونة بصعوبة في الاستمرار”، معيدة هذا التباين إلى “سرعة التغيير التي خلقت فجوة مجتمعية”.

الزواج.. رغبة جامحة ومشروع مؤجل

بشرى المرابطي، أخصائية نفسية وباحثة في علم النفس الاجتماعي، قالت إن “الشباب المغربي اليوم، كما في السابق، لم تتغير عقليته تجاه الرغبة في الزواج، بل إن الرغبة الجامحة في الزواج متجذرة في الثقافة المغربية، ونلمسها كمختصين بشكل دائم”، معتبرة أن “هذا ما يجعل التقرير الصادر عن المندوبية السامية للتخطيط لا يكشف إلا عن عزوف خلفه العامل الاقتصادي، في ظل ما يشهده الواقع المعيشي من ارتفاع متزايد في تكاليف الحياة والوضع الهش لسوق الشغل”.

واعتبرت المرابطي أن “ما يعبر عنه المغاربة اليوم يدخل في ما تسمى في علم النفس الآليات الدفاعية، إذ يختار الفرد التعبير عن عدم وجود رغبة لديه في إنجاب أبناء أو الدخول في مشروع زواج، بينما هناك أسباب غير معبر عنها وراء توجهه”.

وشددت المتحدثة ذاتها على أن “العامل الاقتصادي يظل الأكثر قدرة على تفسير هذه التغيرات الاجتماعية التي لا تعبر عن تحولات في البنية الفكرية للمجتمع المغربي، بقدر ما تعكس تأثير الإكراهات المادية والظروف المعيشية”.

وأضافت الباحثة نفسها أن “الشباب رغم تمسكه الرمزي بمؤسسة الزواج يجد نفسه أمام مفارقة بين الرغبة والإمكان، ما يخلق نوعا من التردد أو التأجيل القسري لهذه الخطوة، وهو ما ينعكس في الخطاب المعلن الذي قد يخفي في عمقه إكراهات بنيوية أكثر تعقيدا”.

ولهذا خلصت الأخصائية إلى أن “السياسات العمومية مطالَبة اليوم بمواكبة التحولات الاجتماعية الراهنة، من خلال بلورة مشاريع ومبادرات عملية تُشجّع على الزواج، وتحسن ظروف العيش الأسري، إلى جانب إقرار منح موجهة للأطفال، على غرار عدد من الدول الأوروبية التي تنتهج سياسات اجتماعية تستجيب لحاجيات مواطنيها وتستوعب دوافع اختياراتهم”.