ربط النجاح بالقيمة الشخصية يعمق “القلق من النتائج” في المدارس المغربية

يشكل انتهاء الامتحانات لحظة فارقة في المسار الدراسي للتلاميذ؛ إذ يُفترض أن تمثل نهاية فترة طويلة من الاستعداد والضغط النفسي والترقب، غير أن هذه المرحلة لا تعني بالضرورة انتهاء التوتر الذي رافق فترة الاختبارات، بل قد تفتح الباب أمام أشكال أخرى من الانشغال والانتظار المرتبط بمآل الجهود المبذولة خلال الموسم الدراسي.
وفي الوقت الذي يترقب التلاميذ الإعلان عن النتائج، تتباين ردود الفعل النفسية تجاه هذه الفترة بين الشعور بالارتياح المؤقت والعودة إلى دوامة القلق والتفكير في الاحتمالات المختلفة، حيث يطرح هذا الوضع تساؤلات حول العوامل التي تجعل انتظار النتائج مرحلة حساسة نفسيًّا، كما يسلط الضوء على السبل الكفيلة بمساعدة التلاميذ على تجاوزها في ظروف أكثر توازنا وطمأنينة.
عوامل القلق
ندى الفضل، أخصائية ومعالجة نفسية إكلينيكية، قالت إن “الكثير من التلاميذ يعتقدون أن شعور القلق سيختفي بمجرد انتهاء الامتحانات، إلا أن الواقع النفسي يكشف أن القلق غالبا ما يستمر ويتخذ أشكالا جديدة”، موضحة أنه “قبل الامتحان، ينشغل التلميذ بالخوف من عدم الاستعداد الكافي أو من صعوبة الأسئلة. وأثناء الامتحان، يتركز التوتر حول الأداء والقدرة على الإجابة بشكل جيد. لكن بعد انتهاء الامتحان، يظهر نوع آخر من القلق لا يقل شدة، يتمثل في انتظار النتائج والنقط وما قد تحمله من أحكام وتقييمات”.
وأشارت الفضل، إلى أن “هذا الاستمرار في القلق يرجع إلى عوامل نفسية واجتماعية عدة”، مضيفة أن “الكثير من التلاميذ يربطون نجاحهم الدراسي بقيمتهم الشخصية، ويعتبرون أن النقطة المحصل عليها تعكس قدراتهم ومستقبلهم بشكل كامل، كما أن الخوف من خيبة أمل الأسرة أو المقارنة مع الأقران يزيد من حدة التوتر. ويضاف إلى ذلك ميل بعض التلاميذ إلى مراجعة أجوبتهم ذهنيا بعد الامتحان بشكل متكرر، والبحث المستمر عن الأخطاء المحتملة، مما يغذي مشاعر الشك والندم والقلق”.
من الناحية النفسية، شرحت ندى الفضل أنه “يمكن تفسير هذا الأمر بكون التلميذ ينتقل من مرحلة كان يمتلك فيها قدرا من التحكم من خلال المراجعة والاستعداد، إلى مرحلة انتظار لا يستطيع خلالها التأثير في النتيجة”، موردة أن “هذا الإحساس بفقدان السيطرة يجعل فترة انتظار النتائج من أكثر الفترات إثارة للقلق لدى العديد من المتعلمين”.
وللتخفيف من هذا النوع من القلق، نبهت الأخصائية ذاتها إلى أهمية “تعزيز الثقافة التربوية التي تؤكد أن الامتحان هو وسيلة لتقييم مستوى معين من التعلم، وليس حكما نهائيا على قيمة الإنسان أو مستقبله”، مشددة على ضرورة “تشجيع التلاميذ على التركيز على الجهد المبذول والمهارات المكتسبة بدل الانشغال المفرط بالنتائج”، و”الانخراط في أنشطة ترفيهية واجتماعية، وممارسة تقنيات الاسترخاء، وتجنب النقاشات المتكررة حول الأجوبة بعد الامتحان، على استعادة التوازن النفسي خلال فترة الانتظار”.
وختمت ندى الفضل توضيحها بالإشارة إلى أن “القلق المرتبط بالامتحانات يبقى ظاهرة طبيعية إلى حد معين، لكنه يصبح مرهقا عندما يتحول إلى مصدر دائم للمعاناة النفسية. لذلك، فإن بناء علاقة صحية مع النجاح والفشل، وتعلم تقبل النتائج مهما كانت، يعدان من أهم المهارات النفسية التي يحتاجها التلاميذ لتحقيق التوازن والرفاه النفسي”.
سبل الوقاية
إبراهيم الحسناوي، أخصائي نفسي إكلينيكي، قال إن “الحكاية النفسية للامتحانات تبدأ قبل أسابيع من موعد الصفر، حيث تعلن البيوت حالة استنفار قصوى، وتصبح أيام التلميذ مزيجا من المراجعة المحمومة، مصحوبة بأعراض جسدية واضحة كخفقان القلب، واضطراب النوم، وفقدان الشهية”، مضيفا أن “ما يُطلق عليه ‘قلق الأداء’ (Anxiété de performance) يبلغ ذروته في اللحظة التي تطأ فيها قدما التلميذ قاعة الامتحان؛ إذ يضخ الدماغ هرمون الكورتيزول وهرمون الأدرينالين لمواجهة الخطر المتمثل في ورقة الأسئلة”.
وأضاف الحسناوي، أن “هذا الضغط، رغم قسوته قبل وأثناء الاختبار، يظل قلقا وظيفيا ومحكوما، لأن التلميذ يواجه تحديا ملموسا ويمتلك أدوات للرد عبر استدعاء ما حفظه”، مشيرا إلى أن “هناك مساحة، ولو بسيطة، للشعور بالسيطرة وامتلاك زمام المبادرة”.
وذكر الأخصائي النفسي الإكلينيكي أنه “بمجرد تسليم الورقة ومغادرة القاعة تنقلب الآية، فبينما يُفترض أن تكون تلك لحظة تنفس الصعداء، فإن المعركة بالنسبة للعديد من التلاميذ لا تنتهي عند باب المؤسسة، بل تغير جلدها فقط، لينتقلوا من قلق ملموس إلى دوامة أشد شراسة تتمثل في رعب انتظار النقطة”.
وأوضح أن “طقوس المراجعة القهرية للأجوبة تبدأ مباشرة بعد الامتحان، وهنا يقع التلميذ في فخ ‘الاجترار الفكري’ (Rumination mentale)، حيث يعيد الدماغ تشغيل شريط الامتحان بلا توقف، مسلطا الضوء حصريا على الأخطاء المحتملة مع تضخيمها، متجاهلا تماما الإجابات الموفقة”، معتبرا أن “الأمر يتعلق باستنزاف مجاني يغذي الندم ولا يغير من الواقع شيئا”.
وأكد الحسناوي أن “المرحلة الأشد فتكا بالسلام الداخلي هي الفراغ الذي يسبق إعلان النتائج”، مبرزا أن “قسوة هذه المرحلة تكمن في فقدان السيطرة المطلق، لأن العقل البشري بطبيعته يمقت الغموض ويبحث بلهفة عن النهايات المحسومة، وهي الحالة التي تُعرف بـ’عدم تحمل عدم اليقين’ (Intolérance à l’incertitude)، التي تدفع العقل إلى ملء هذا الفراغ الموحش بـ’التفكير الكارثي’ (Catastrophisme)”.
وأضاف الأخصائي النفسي الإكلينيكي أن “التلميذ يبدأ خلال هذه المرحلة في نسج أسوأ السيناريوهات: رسوب مدوٍ، ونظرات خيبة في عيون الوالدين، ومستقبل يضيع”، موضحا أن “النتيجة الحتمية لذلك هي حالة من الهلع (Panique) تسرق النوم وتُعكر المزاج”.
وسجل أن “هذا الخوف لا ينشأ من فراغ، لأن التلميذ غالبا لا ينتظر تقييما لورقته، بل حكما نهائيا على قيمته كإنسان ودرجة ذكائه”، لافتا إلى أن “رعب الوصمة الاجتماعية وثقافة المقارنة المتجذرة يزيدان من حدة هذا الشعور، ناهيك عن الإرهاق الشديد الذي يصيب الجهاز العصبي السمبثاوي بعد أسابيع من الشد العصبي، ما يجعله في حالة تأهب قصوى يصعب إطفاؤها بسهولة”، موردا أن “الخروج من هذه الدوامة يتطلب وعيا وتدخلا هادئا، يبدأ بالقطع التام مع عادة تشريح الامتحان بعد انتهائه”، موضحا أن “ما كُتب قد كُتب، والبحث المهووس عن الأخطاء سيسرق السكينة ولن يضيف نقطة واحدة للرصيد”.
وأضاف أن الأمر يتطلب أيضا “ممارسة التقبل العاطفي وفك الارتباط بالنتيجة (Lâcher-prise)”، داعيا إلى تدريب النفس والأبناء على حقيقة بسيطة مفادها:
“لقد أديت ما في وسعي داخل دائرة تحكمي، أما النتيجة الآن فهي خارج هذه الدائرة”، مشددا على أنه “إذا زاحمت الأفكار الكارثية أذهان التلاميذ، فينبغي مواجهتها بإعادة البناء المعرفي عبر التساؤل بصدق: هل الفشل في هذا الاختبار هو حقا نهاية العالم؟ ماذا لو وضعنا خطة بديلة؟”، مؤكدا أن “مجرد التفكير في البدائل يعيد للعقل جزءا من إحساسه المفقود بالسيطرة”.
وبعدما أكد أن “الجسد والنفس مرتبطان ارتباطا وثيقا، ولا مفر من كسر العزلة والانخراط في أنشطة تتطلب حضورا بدنيا وذهنيا، بما يسمح بسحب الطاقة من الاجترار نحو اللحظة الحالية”، شدّد الحسناوي على أن “القلق استجابة إنسانية، لكن تركها تعبث بحاضرنا في انتظار مجهول لا نتحكم فيه، هو إرهاق لا طائل منه”، مؤكدا أن “تجاوز هلع النتائج يبدأ من إدراكنا العميق بأن قيمتنا لا تختزل في رقم على ورقة، بل في المحاولة، والصمود، والقدرة على تجاوز المحطات مهما كانت نتائجها”.

تعليقات 0