23 مايو 2026 17:16
الرئيسيةأخبارشبكات العملات المشفرة تفتح ثغرة جديدة في جدار العقوبات على إيران

شبكات العملات المشفرة تفتح ثغرة جديدة في جدار العقوبات على إيران

في وقت تشدد فيه واشنطن عقوباتها المالية على طهران، كشفت تقارير غربية حديثة عن توسع استخدام العملات الرقمية المشفرة في تمويل شبكات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، عبر منصات تداول عالمية، وفي مقدمتها منصة “بينانس”، أكبر بورصة للعملات المشفرة في العالم، وهو ما يعيد طرح أسئلة قديمة حول قدرة العقوبات التقليدية على مواكبة التحولات الجديدة في الاقتصاد الرقمي.

صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية نشرت تحقيقًا مطولًا تحدثت فيه عن تحويلات مالية بمليارات الدولارات مرت عبر “بينانس” لصالح شبكات مرتبطة بإيران، بعضها مرتبط مباشرة بالحرس الثوري، وذلك رغم العقوبات الأمريكية المفروضة على طهران منذ سنوات، ورغم تعهدات سابقة من المنصة بتشديد أنظمة المراقبة والامتثال المالي.

وبحسب التحقيق، فإن رجل الأعمال الإيراني بابك زنجاني، المعروف بعلاقاته القديمة مع دوائر السلطة الإيرانية، لعب دورًا محوريًا في بناء شبكة مالية سرية استخدمت العملات الرقمية لنقل الأموال إلى جهات مرتبطة بالمؤسسة العسكرية الإيرانية، خصوصًا خلال العامين الأخيرين اللذين سبقا المواجهة العسكرية الحالية بين واشنطن وطهران.

وتشير الوثائق التي استندت إليها الصحيفة إلى أن شبكة زنجاني أجرت معاملات تقارب 850 مليون دولار عبر حسابات على “بينانس”، معظمها تم عبر حساب تداول واحد ظل نشطًا لفترة طويلة رغم التنبيهات الداخلية التي سجلتها أنظمة المراقبة داخل الشركة، والتي تحدثت عن شبهات تتعلق بالتحايل على العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران.

التحقيق يوضح أن شبكة زنجاني لم تعتمد فقط على حسابات مباشرة، بل استخدمت أيضًا حسابات مرتبطة بأفراد مقربين منه، بينهم شقيقته وشركاء يعملون داخل شركات تابعة له، مع استعمال الأجهزة الرقمية نفسها للدخول إلى الحسابات المختلفة، وهو ما اعتبره محققو الامتثال داخل “بينانس” مؤشرًا واضحًا على وجود شبكة منظمة تعمل على إخفاء حركة الأموال وتجاوز القيود المالية المفروضة على طهران.

ووفق الصحيفة، فإن الأموال التي مرت عبر هذه الشبكات ارتبط جزء كبير منها بعائدات بيع النفط الإيراني إلى الصين، وهي تجارة تعتمد عليها إيران بشكل متزايد لتجاوز العقوبات الغربية، بينما يشرف الحرس الثوري على جزء مهم من هذه العمليات المالية واللوجستية.

وتقول تقارير أمنية غربية إن العملات المشفرة تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى أداة أساسية بالنسبة لإيران في الالتفاف على النظام المالي العالمي، خاصة بعد تشديد الرقابة على التحويلات البنكية التقليدية، إذ تسمح الأصول الرقمية بنقل الأموال بسرعة وبدرجة عالية من السرية، كما تمنح الجهات الخاضعة للعقوبات هامشًا أكبر للتحرك خارج المنظومة المصرفية التقليدية.

صحيفة “وول ستريت جورنال” نقلت عن مسؤولين غربيين مختصين في مكافحة تمويل الإرهاب أن جزءًا من هذه الأموال استخدم لدعم شبكات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، بما في ذلك جماعات مسلحة تنشط في الشرق الأوسط، مثل “حزب الله” اللبناني والحوثيين في اليمن، وهي اتهامات ترفضها طهران باستمرار.

في المقابل، نفت منصة “بينانس” السماح بمرور تحويلات لصالح جهات خاضعة للعقوبات، مؤكدة في تصريحات للصحيفة أنها تعتمد “سياسة صارمة تجاه الأنشطة غير القانونية”، وأنها طورت منذ 2024 أنظمة رقابة أكثر تقدمًا لرصد الحسابات المشبوهة وتقليص التعاملات المرتبطة بالمناطق عالية المخاطر.

غير أن التحقيق يشير إلى أن الحسابات المرتبطة بالشبكات الإيرانية ظلت نشطة لأشهر طويلة رغم التحذيرات الداخلية، وهو ما دفع وزارة العدل الأمريكية، وفق الصحيفة، إلى فتح تحقيق جديد حول استخدام إيران لمنصة “بينانس” في الالتفاف على العقوبات الأمريكية، خصوصًا بعد الاتفاق القضائي الذي أبرمته المنصة مع السلطات الأمريكية سنة 2023، والذي تضمن اعترافًا بانتهاكات تتعلق بقوانين مكافحة غسل الأموال والعقوبات الاقتصادية.

وكانت “بينانس” قد دفعت غرامات قياسية تجاوزت 4 مليارات دولار ضمن التسوية مع واشنطن، بينما قضى مؤسسها تشانغبينغ تشاو أربعة أشهر في السجن بعد إقراره بمخالفات مرتبطة بأنظمة الامتثال المالي.

لكن التطورات الأخيرة توحي، بحسب خبراء في الأمن المالي الرقمي، بأن طهران تمكنت من إعادة بناء قنوات مالية جديدة داخل عالم العملات المشفرة، مستفيدة من الثغرات التي ما تزال موجودة في بعض منصات التداول الدولية، ومن الطبيعة اللامركزية التي تميز سوق الأصول الرقمية.

وتشير تقديرات شركة “TRM Labs” المتخصصة في تتبع المعاملات الرقمية إلى أن الإيرانيين أجروا خلال العام الماضي وحده معاملات بالعملات المشفرة تجاوزت قيمتها 10 مليارات دولار، وهو رقم يعكس حجم الاعتماد المتزايد على الاقتصاد الرقمي داخل إيران، سواء من قبل الأفراد أو المؤسسات أو الشبكات المرتبطة بالدولة.

وتزداد أهمية هذه التحويلات بالنسبة لطهران في ظل الضغوط الاقتصادية المتصاعدة، إذ تواجه البلاد صعوبات كبيرة في الوصول إلى النظام المالي العالمي، بينما تتراجع قيمة العملة المحلية وترتفع معدلات التضخم والعجز المالي، وهو ما يدفع السلطات الإيرانية إلى البحث عن أدوات بديلة للحفاظ على تدفق الأموال وتمويل التجارة الخارجية.

وفي هذا السياق، تحدثت تقارير غربية عن لجوء بعض الجهات الإيرانية إلى فرض رسوم عبور على السفن في مضيق هرمز بعملات رقمية أو باليوان الصيني، في خطوة تعكس التحول التدريجي نحو وسائل دفع بديلة بعيدة عن الدولار والنظام المالي الغربي.

كما كشفت بيانات تحليلية نقلتها الصحيفة الأمريكية عن تحويلات مرتبطة بالبنك المركزي الإيراني وصلت إلى حسابات على “بينانس” خلال العام الجاري، بقيمة تقارب 107 ملايين دولار، عبر سلسلة من العمليات الرقمية المعقدة، وهو ما يعزز المخاوف الغربية من استخدام المؤسسات الرسمية الإيرانية للأصول المشفرة في الالتفاف على العقوبات.

وزارة الخزانة الأمريكية كانت قد حذرت، قبل أسابيع، من تنامي اعتماد الحرس الثوري الإيراني على العملات الرقمية، مؤكدة أن بعض الشبكات المرتبطة بطهران تستغل ضعف أنظمة المراقبة داخل منصات التداول لنقل الأموال وتمويل أنشطة تعتبرها واشنطن مرتبطة بالإرهاب.

وفي أبريل الماضي، أعلنت الوزارة تجميد أصول رقمية مرتبطة بإيران بقيمة 344 مليون دولار، ضمن ما وصفته بجهود “تجفيف الموارد المالية” التي تستخدمها طهران لدعم أنشطتها الإقليمية وبرامجها العسكرية.

ويعتقد خبراء أن المواجهة المقبلة بين واشنطن وطهران لن تقتصر على العقوبات التقليدية أو الضغوط العسكرية، بل ستتوسع أكثر نحو الفضاء الرقمي والاقتصاد المشفر، حيث تسعى إيران إلى بناء شبكات مالية بديلة تقلص اعتمادها على النظام المالي العالمي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة.

لكن هذا التحول يطرح في المقابل تحديات معقدة أمام الحكومات الغربية، لأن مراقبة حركة الأموال داخل عالم العملات المشفرة تبدو أكثر صعوبة من مراقبة النظام البنكي التقليدي، خاصة مع تطور أدوات التشفير وتعدد المنصات العابرة للحدود.

ويبدو أن العملات الرقمية بالنسبة إلى إيران أكثر من مجرد أداة مالية جديدة، إذ تحولت إلى جزء من معركة أوسع تتعلق بالقدرة على الصمود الاقتصادي والسياسي في مواجهة نظام العقوبات الغربية، بينما ترى واشنطن أن هذه الشبكات الرقمية باتت تمثل واحدة من أخطر الثغرات التي تسمح لطهران بإعادة تدوير مواردها المالية خارج الرقابة الدولية.