19 مارس 2026 19:23
الرئيسيةأخبارازدحام “أسواق العيد” يكشف ميل المغاربة إلى التسوق في اللحظة الأخيرة

ازدحام “أسواق العيد” يكشف ميل المغاربة إلى التسوق في اللحظة الأخيرة

في الوقت الذي يردد كثيرون مقولة “لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد”، يكشف الواقع عن نزوع متكرر إلى تأجيل اقتناء ملابس العيد إلى اللحظات الأخيرة، مثلما يُؤخَّر اقتناء مستلزمات رمضان والدخول المدرسي وتجهيزات المناسبات العائلية كالأعراس والولائم، وحتى الاستعداد للسفر خلال العطل؛ وهو ما يحول فترات يفترض أن تكون مريحة إلى محطات يسودها التوتر والاستعجال والاستعداد تحت الضغط.

ويبرز هذا النمط من التصرف في مشاهد الازدحام التي ترافق الأيام الأخيرة قبل هذه المناسبات، حيث تتكدس الأسواق والمحلات بالمتسوقين الباحثين عن المواد الغذائية والألبسة والهدايا واللوازم والحاجيات…، فيجد الأفراد أنفسهم منخرطين في وتيرة سريعة تفرضها اللحظة، على الرغم من أن إمكانية التخطيط المسبق وتدبير الحاجيات بشكل تدريجي تظل متاحة، بما يتيح تفادي الإكراهات المرتبطة بضيق الوقت وارتفاع الأسعار.

الوهم والتسويف

ندى الفضل، أخصائية ومعالجة نفسية إكلينيكية، قالت إن “عددا كبيرا من الناس يميلون إلى إنجاز الاستعدادات المرتبطة بالمناسبات الدينية والاجتماعية في اللحظات الأخيرة؛ مثل شراء حاجيات رمضان أو ملابس العيد أو الأضاحي”، مشيرة إلى أنه “من الناحية النفسية، يمكن فهم هذا السلوك باعتباره نتيجة لآليات نفسية وسلوكية عديدة تتحكم في طريقة تعامل الإنسان مع الوقت والمهام”.

وأوضحت الفضل، أن “أول ما يفسر هذا السلوك هو نزعة التسويف، وهي ميل نفسي معروف يدفع الفرد إلى تأجيل المهام حتى لو كان يعلم أن إنجازها مبكرا سيكون أكثر راحة”، مضيفة أن “التأجيل يمنح شعورا مؤقتا بالارتياح لأنه يبعد الفرد عن التفكير في المهمة؛ لكنه في المقابل يخلق ضغطا أكبر عندما يقترب الموعد النهائي، فيجد الشخص نفسه مضطرا إلى إنجاز كل شيء في وقت قصير”.

وأشارت الأخصائية ذاتها إلى أن عامل الإثارة النفسية المرتبطة بالموعد النهائي يلعب دورا مهما؛ فبعض الأشخاص لا يشعرون بالدافع الحقيقي للقيام بالمهمة إلا عندما يقترب الوقت ويزداد الضغط. وفي هذه الحالة، يصبح الضغط نفسه محفزا نفسيا يدفع إلى الحركة والإنجاز؛ وهو ما يفسر لماذا يستنفر كثير من الناس في ‘الدقيقة التسعين”.

ومن جهة أخرى، أفادت المتحدثة بأن “هناك ما يعرف في علم النفس بـ’وهم التحكم في الوقت’، حيث يعتقد الفرد أنه قادر على تدبير كل الأمور بسرعة عندما يحين الوقت المناسب”، لافتة إلى أن “هذا الاعتقاد يمنح شعورا بالسيطرة؛ لكنه يؤدي غالبا إلى ازدحام المهام وتراكمها في اللحظات الأخيرة”، مؤكدة أنه “يمكن تفسير هذا السلوك بما يسمى التأجيل المدفوع بالأمل، إذ إن بعض الناس يؤجلون الشراء أو الاستعداد على أمل أن تتحسن الظروف؛ مثل انخفاض الأسعار أو توفر خيارات أفضل، وهنا يلعب الأمل دورا نفسيا في تبرير التأجيل”.

وختمت ندى الفضل توضيحها بالتأكيد على أن “سلوك التأجيل إلى اللحظة الأخيرة ليس مجرد مسألة تنظيم وقت؛ بل يعكس طريقة اشتغال النفس البشرية في التعامل مع الضغط والدافعية وتقدير الزمن. ولذلك، فإن فهم هذه الآليات النفسية قد يساعد الأفراد على تطوير عادات أكثر تنظيما وتخفيف الضغط الذي يرافق الاستعداد للمناسبات”.

الشراء الجماعي

مصطفى السعليتي، أستاذ باحث في علم النفس الاجتماعي رئيس شعبة علم النفس في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة القاضي عياض بمراكش، قال إن “ترك الأمور، خاصة فيما يتعلق باقتناء لوازم العيد والمناسبات الأخرى، إلى الأيام الأخيرة سلوك له دلالة، ولا يعني أن الناس يؤجلون فقط بسبب عوامل مادية أو ما يسمى بعقلية التأجيل، فالمسألة أعمق من ذلك”.

وأوضح السعليتي، ف ، أن “عملية الشراء لا تكتسب دلالتها الإيجابية وقيمتها الرمزية والسيكولوجية إلا عندما تتم مع الآخرين، إذ يمكن للفرد أن يقتني حاجياته مسبقا؛ لكنها تبقى مجرد حاجيات أساسية، دون أن تحمل نفس المعنى أو البعد الرمزي”.

وأشار المتحدث ذاته إلى أن “تأجيل الشراء يجعله يُمارس بشكل جماعي، والوجود الكثيف للناس أثناء التسوق هو الذي يمنح العملية دلالتها الحقيقية، فالشراء ينبغي أن يرتبط ذهنيا بالحدث حتى يكتسب قيمته”، مضيفا أن “الشراء في أوقات أخرى لا يرتبط ذهنيا أو سيكولوجيا بالمناسبة؛ بل يظل في إطار الاستهلاك اليومي الروتيني، في حين أن الشراء وسط الازدحام يربطه مباشرة بالحدث، ويمنحه أهمية وقيمة أكبر، خاصة في ظل وجود تحفيز اجتماعي جماعي على الاقتناء”.

وقال الأستاذ الجامعي إنه “عندما يكون الفرد وحيدا أثناء الشراء، فإنه لا يشعر بنفس مستوى التحفيز أو الرغبة، ولا يستطيع أن يربط عملية الشراء بالحدث بنفس القوة”، مؤكدا أن “الأمر لا يرتبط بعقلية التأجيل أو بعوامل مادية بقدر ما يرتبط بأبعاد اجتماعية ونفسية عميقة”.

وزاد موضحا أن “العقلية المغربية تقوم، في كثير من الأحيان، على أن قيمة الأشياء لا تتجلى إلا في شرائها في الازدحام”، لافتا إلى أن “اشتراك الناس في الاهتمامات نفسها يخلق نوعا من المقارنة، ويبرز تأثير الجماعة الكبيرة على سيكولوجيا الأفراد، حيث إن كل ما يكتسب قيمة جماعية يعرف إقبالا واسعا”.

وأبرز السعليتي أن “الفرد يكون مدفوعا بدافع داخلي يجعله يقوم بما يقوم به الآخرون، خاصة في ما يتعلق بنظرية الامتثال (Conformism) والتماثل الاجتماعي، إذ لا ينخرط الأفراد في سلوكات معينة إلا عندما يكون توجه الجماعة موحدا في الاتجاه نفسه”.