2 مايو 2026 10:38
الرئيسيةأخبارمن “الشهرة” إلى السياسة .. هل ينجح الفنانون في التأثير داخل البرلمان؟

من “الشهرة” إلى السياسة .. هل ينجح الفنانون في التأثير داخل البرلمان؟

لم يعد حضور الفنانين تحت قبة البرلمان المغربي مجرد حالة معزولة، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى ظاهرة لافتة تثير نقاشا واسعا داخل الأوساط السياسية والثقافية. فمع توالي الاستحقاقات الانتخابية، برزت أسماء فنية معروفة ضمن اللوائح الحزبية، منتقلة من فضاءات الإبداع إلى مواقع القرار، في مشهد يعكس تحولات عميقة في علاقة الفن بالسياسة، وفي طرق استقطاب الأصوات الانتخابية.

هذا المعطى الذي ترسخ على امتداد ما يقارب ثلاث ولايات تشريعية، وضع تجربة “الفنان البرلماني” تحت مجهر التقييم؛ بين من يعتبرها قيمة مضافة قادرة على إغناء النقاش العمومي بقضايا الثقافة، ومن يرى فيها مجرد توظيف انتخابي للرمزية والشهرة دون أثر ملموس في التشريع أو الترافع المؤسساتي. وبين هذا وذاك، تتقاطع أسئلة الخلفيات والجدوى، ومدى قدرة هذه الفئة على التحول من حضور رمزي إلى فاعل سياسي مؤثر.

على مستوى خريطة الحضور الحزبي للفنانين داخل المؤسسة التشريعية، تكشف التجربة المغربية عن تعدد في الانتماءات السياسية، يعكس في جانب منه رهانات الأحزاب على استثمار الرأسمال الرمزي الذي يتيحه الحضور الفني والشعبي لهذه الأسماء.

وارتبط اسم الفنانة فاطمة تابعمرانت بحزب التجمع الوطني للأحرار، حيث التحقت بالعمل البرلماني خلال انتخابات 2007، في واحدة من أبرز المحطات التي سجلت انتقال صوت فني أمازيغي إلى داخل قبة البرلمان.

وعزز حزب التجمع الوطني للأحرار حضوره بعدد من الوجوه الفنية خلال الانتخابات التشريعية الأخيرة، من بينها فاطمة خير وكليلة بونعيلات، في تجربة تعكس استمرار توظيف الرمزية الفنية ضمن التنافس الانتخابي.

كما تظل تجربة الفنان المسرحي ياسين أحجام، المنتمي لحزب العدالة والتنمية، نموذجا آخر لهذا التقاطع بين المجال الفني والعمل السياسي، في وقت تبقى فيه محطة الفنانة الراحلة ثريا جبران من أبرز التجارب المؤسسة، حين عينت سنة 2007 وزيرة للثقافة باسم حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، لتسجل أول حضور لوجه فني في موقع وزاري ثقافي بالمغرب.

وجهان لعملة واحدة

في هذا السياق، قال عباس الوردي، أستاذ القانون الدولي،  إن “حضور الفنانين على مستوى الساحة السياسية فيه وجهان لعملة واحدة. أولا، فيه توجه لمجموعة من الأطياف، خاصة الفنانين، من أجل دخول معترك تدبير قضايا الشأن العام من أوسع أبوابه، عبر بوابة الحصول على تسكين داخل الأحزاب السياسية، التي تريد، بطبيعة الحال، هذه الفئة لتواكب من خلالها مجموعة من الطروحات، بالدرجة الأولى الدفاع عن قضايا الفنان، وكذلك الاضطلاع بأدواره وبالآليات التواصلية التي يجب عليه أن يعتمدها في هذا الإطار من أجل، بطبيعة الحال، تنوير الرأي العام، وإيصال المعلومة بطريقة مبسطة”.

وأضاف الوردي أن “المسألة الثانية، أو الحد الثاني من هذه المعادلة، يتمثل بالأساس في كيفية اختيار هذه الكفاءات الفنية، ومنها الفنانات والفنانون، عبر بوابات الأحزاب السياسية، من خلال، ربما، محاولة بعض الأحزاب السياسية توظيف هذه البنية الضخمة التي يعرفها الجميع من أجل الحصول على مقاعد، وهذا ليس عيبا، ولكن هاتين المعادلتين تلتقيان من جانب آخر بالمردودية: هل فعلا هؤلاء الفنانون قد أعطوا مردودية داخل المشهد، الحزبي بطبيعة الحال، والمشهد التشريعي كذلك؟ وكذلك ربما كانت هناك سوابق؛ كان هناك وزراء، ووزيرة الثقافة ثريا جبران، وكذلك الفنانون الذين اعتلوا منصة القرار عبر بوابة تدبير الحكومة”.

وأبرز المتحدث ذاته أن “الأساس في هذا هو أن يلج هؤلاء الفنانون، وهذا حق مشروع، البيئة الحزبية بطريقة قبلية من أجل التكوين، لأن هناك، ربما، اختلافا بين المُسَيَّس وبين الفنان غير المُسَيَّس”، مضيفا أن “التكوين السياسي الحزبي مسألة ضرورية تلتقي مع المبادئ الدستورية المنظمة في إطار دستور 2011، في فصله السابع، الذي يوكل للأحزاب السياسية التأطير والمواكبة، وكذلك تمثيل المواطنات والمواطنين عبر بوابة الديمقراطية التمثيلية داخل المؤسسات”.

وتابع الوردي،  أن “هذا التوجه لا يجب أن ينبني على خلفية نفعية، وهذه النفعية الحزبية الضيقة لا يجب أن تكون هي المراس وهي الهدف الأساسي الذي يجب أن تُقيم فيه هذه الفئة المعروفة لدى أطياف من المواطنات والمواطنين. فالفنان، بالرغم من أنه معروف، فإن الناخب لا يمكن أن يصوت له لأنه معروف على أنه قامة فنية، وربما، يمكن ألا يثق فيه على أنه غير مسيس وغير محزب، وربما قد يعتبر أنه مطية من أجل الوصول من لدن بعض الأحزاب السياسية التي حصدت مجموعة من الأصوات”.

وشدد الوردي على أن “الرمزية الفنية الانتخابية مسألة محمودة، ويجب ألا تنعكس بالدرجة الأولى على حقل الفنانات والفنانين من أجل الترافع عليهم”، مبرز أنها “مسألة إيجابية أن نترافع عليهم، ولكن الأساس هو أن الفنان، بوجهه المعروف وقامته المعروفة، يجب عليه أن يقدم مجموعة من البدائل والآليات، وكذلك أن يواكب تدبير قضايا الشأن العام عبر بوابة المؤسسات الدستورية، سواء كان برلمانا أو حكومة أو جماعات ترابية، ولا يمكن أن يتم الوصول إلى هذه الغايات إلا عبر بوابة الأحزاب السياسية. وبالتالي، فالأساس الأصلي والدستوري هو أن تنخرط هذه القامات، سواء الفنانون والفنانات أو غيرهم من الأطياف المهنية، في الأحزاب السياسية لكي تتكون، وكذلك لكي تكوّن لنفسها كاريزما سياسية قادرة على تغيير المنعطف إلى توجهه الأساسي، وهو الوصول إلى التنمية المتوازنة والمتزنة، القائمة على التدبير المبني على النتائج”.

3 دوافع كبرى

من جهته، قال الباحث والناقد الفني إدريس القري،  إنه “لا ينبغي قراءة انتقال بعض الفنانين إلى البرلمان باعتباره دائما انتقالا نابعا من نضج سياسي أو من امتلاك مشروع ثقافي متكامل؛ فغالبا ما تتحكم فيه ثلاثة دوافع كبرى: أولها رغبة الفنان في تحويل رصيده الرمزي والشعبي إلى حضور مؤسسي يعتقد أنه سيفيده في تقوية نجاحاته وطموحاته؛ ورغبة الأحزاب في استثمار شهرته وترجمتها انتخابيا، في الوقت الذي يعم فيه شعور عام داخل الوسط الفني بأن قضاياه لا تجد تمثيلا حقيقيا أو فاعلا داخل المؤسسات النيابية”.

وأضاف القري أن “المشكل يبدأ حين لا يتحول هذا الحضور إلى تصور سياسي للثقافة عامة، بل يبقى مجرد انتقال من شهرة فردية فنية إلى موقع انتخابي، مشيرا إلى أنه وصل إلى البرلمان عدد محدود من الأسماء الفنية في المغرب، مثل فاطمة خير، وفاطمة تابعمرانت، وياسين أحجام، وغيرهم من التجارب القليلة، وهو ما يؤكد أن الحضور ظل محدودا كما ونوعا، ولربما كانت النتيجة وعيا جماهيريا بأن من وصلوا ومن يسعون للوصول، ولعلهم في تكاثر، إنما يفعلون ذلك دون وعي كافٍ ولا قدرة على تمثل دورهم التاريخي، بل يستسهلون ذلك ويختزلونه في حماس خطب لمدة محددة”.

وأبرز المتحدث ذاته أنه “يمكن القول إن حضور الفنانين داخل البرلمان المغربي ظل إلى حد الآن أقل من رمزي، بل لم يتحول إلى قوة اقتراحية قادرة على إنتاج تصور تشريعي وثقافي متكامل، ولم نر كتلة ثقافية ضاغطة، ولا مشروعا متماسكا حول وضعية الفنان، ولا رؤية واضحة للصناعات الثقافية، ولا تصورا عمليا يربط الفن بالتنمية، والتعليم، والاقتصاد الإبداعي، والعدالة المجالية، ولا حتى قدرة على تسجيل حضور قوي أمام ما طرح من تعديلات، لا على قانون الفنان، الذي هو عنصر ضعيف في إشكاليات البنيات العامة للسياسات العمومية في الثقافة والفنون، ولا في التعديلات التي طالت الصناعات الثقافية والفنية واشتغال السينما والتلفزيون والمسرح، في ارتباطها الوثيق بالمكتبات والكتاب والتدريس الفني، إلخ”.

وتابع في حديثه أن هذا لا يعني أن كل التجارب كانت فارغة؛ “فقد ارتبطت بعض الأسماء بنقاشات حول قانون الفنان أو الوضع الاجتماعي للفنانين، لكن الحصيلة العامة بقيت دون مستوى الحاجة البنيوية للقطاع بكثير”، مضيفا أن بعض الصحافة أشارت إلى أن تجربة البعض ارتبطت، في نظر فنانين، بمكتسبات مثل قانون الفنان، غير أن هذا لا يكفي لجعل الحضور الفني داخل البرلمان مشروعا سياسيا متكاملا.

وأبرز القري أن “السؤال الحقيقي ليس: هل يدخل الفنانون البرلمان؟ بل: بأي مشروع يدخلون إذا دخلوا؟ وبأي معيار غير معيار الشهرة؟ واضعا هذه الكلمة بين قوسين وأشكك في مصداقيتها، ومن يمنحهم سلطة القرار؟ وأي قرار؟ وما استقلاليته ووسائله؟ وهل تتابع الأحزاب والدولة أثر عملهم وتحاسبهم عليه بعد تمكينهم من وسائل تنفيذه؟”.

وشدد الناقد الفني، في حديثه، على أن “أحزابا كثيرة تلجأ إلى الفنانين لأنها تبحث عن الواجهة لا عن المشروع، وتستدعي الفنان كما تتصوره هي، إن كان لها تصور، بوصفه وجها معروفا في نظرها، لا بوصفه صاحب تصور متكامل وعملي وملائم للسياسة الثقافية؛ وهنا تتحول الشهرة إلى رأسمال انتخابي، وتتحول الثقافة إلى ديكور، ويصبح الفنان وسيلة لتلطيف صورة الحزب أو الاقتراب من الجمهور، لا مدخلا لإعادة بناء علاقة السياسة بالفن”.

وأضاف أن “بعض الأحزاب تحاول، كما يقال، تغطية عين الشمس بالغربال؛ فهي تعرف أن برامجها الثقافية ضعيفة أو شبه غائبة، فتستعين ببعض الأسماء الفنية لتعويض الفراغ الرمزي، لكنها، في أغلبها، لا تمتلك رؤية بنيوية ومندمجة تجعل الثقافة جزءا من التنمية، ومن التربية، ومن الاقتصاد، ومن الدبلوماسية الناعمة، ومن صناعة المعنى داخل المجتمع”.

وختم القري تصريحه بالتأكيد على أن “ما ينبغي أن يتغير جذريا هو هذا المنطق الانتهازي؛ فعلى الأحزاب والدولة أن تبحثا عن فنانين ومثقفين يحملون مشروعا حقيقيا، لا عن أسماء انتخابية ‘لامعة’. وحين يمنح هؤلاء القرار والمسؤولية، يجب أن يتابع عملهم ويحاسبوا عليه مثل غيرهم. عندها فقط يمكن أن يصبح حضور الفنان في البرلمان قيمة نوعية، لا مجرد صورة جميلة في حملة انتخابية تخبو بمجرد انطفاء الكاميرا ‘الماكرة’”.